ابن خلكان

59

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

عصره ، أدبا وفضلا ، وكرما ومجدا ، وبلاغة وبراعة ، وفروسية وشجاعة ، وشعره مشهور سائر « 1 » ، بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة ، ومعه رواء الطبع وسمة الظّرف وعزة الملك ، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد اللّه بن المعتز . وأبو فراس يعدّ أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام . وكان الصاحب بن عباد يقول : بدىء الشعر بملك وختم بملك ، يعني امرأ القيس وأبا فراس . وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترىء على مجاراته ، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيبا له وإجلالا ، لا إغفالا وإخلالا . وكان سيف الدولة يعجب جدّا بمحاسن أبي فراس ويميّزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته ويستخلفه في أعماله » . وكانت الروم « 2 » قد أسرته في بعض وقائعها ، وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه ، ونقلته إلى خرشنة ، ثم منها إلى قسطنطينية ، وذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ، وفداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسين . قلت : هكذا قال أبو الحسن علي بن الزراد الديلمي ، وقد نسبوه في ذلك إلى الغلط ، وقالوا : أسر أبو فراس مرتين ، فالمرة الأولى بمغارة الكحل في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ، وما تعدّوا به خرشنة ، وهي قلعة ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها ، وفيها يقال : إنه ركب فرسه وركضه برجله ، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات ، واللّه أعلم ، والمرة الثانية أسره الروم على منبج في شوال سنة إحدى وخمسين ، وحملوه إلى قسطنطينية . وأقام في الأسر أربع سنين ، وله في الأسر أشعار كثيرة مثبتة في ديوانه . وكانت مدينة منبج إقطاعا له ، ومن شعره « 3 » : قد كنت عدّتي التي أسطو بها * ويدي إذا اشتدّ الزمان وساعدي

--> ( 1 ) أ : شائع . ( 2 ) انظر اليتيمة : 75 . ( 3 ) ديوانه : 73 وهي مما كتبه لسيف الدولة حين سار هذا إلى ديار بكر وتخلف أبو فراس بالشام .